الثلاثاء، 15 يونيو، 2010

فتح القسطنطينية.. وصناعة النصر


بقلم: أ. د. محمد بديع





الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه... وبعد،،

فمن أعز أيام الأمة التي تستحق أن يُحتفل بها ويُستفاد منها يوم فتح القسطنطينية؛ ذلك الأمل العظيم الذي جاهدت في سبيل تحقيقه أجيال كثيرة ودول متعاقبة من المسلمين؛ لتحقيق النبوءة النبوية الكريمة بفتح هذه المدينة العظيمة التي قال نابليون: "لو كانت هناك دولة واحدة لكانت القسطنطينية أصلح المدن؛ لتكون عاصمة لها".



وشاء الله أن يتحقق الوعد النبوي الكريم بفتحها بعد 7 قرون ونصف القرن، على يد السلطان الشاب محمد الفاتح سنة 753هـ/ 1453م، فتجدَّد بفتحها أمل المسلمين، بعد التراجع الذي كان قد أصابهم في الأندلس؛ ليؤذن بقيام دولة إسلامية عالمية قوية ترفع راية الإسلام وتجاهد خصومه لقرون عديدة.



وفي ظلال هذه الذكرى؛ فإن الأمة مدعوة لإعادة قراءة الحدث واستخلاص الدروس والعبر، ومنها على سبيل المثال:

1- لقد كان عمر السلطان محمد الفاتح يوم أن رتَّب لمعركة الفتح وخاضها وانتصر فيها؛ ثلاثة أو أربعة وعشرين عامًا، لكنه كان يحمل في قلبه رسالة عظيمة وشجاعة فائقة وطموحًا غير محدود وعزيمة لا تلين، وعندما رفض قسطنطين تسليم المدينة له قال السلطان الفاتح: "حسنًا، عن قريب سيكون لي في القسطنطينية عرش أو يكون لي فيها قبر".



وقد نشأ ذلك عن تربية إيمانية فائقة نالها هذا الشاب المجاهد، فقد ختم القرآن في سن مبكرة، ونشأ على حب الالتزام بالشريعة، وملأ خياله حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ" (أحمد وصححه الحاكم)، وحدثته نفسه منذ وقت مبكر بأن يكون هو الأمير الذي امتدحه النبي صلى الله عليه وسلم.



وقد عرف عنه اهتمامه الواسع بالعلوم والآداب ودراسته العميقة للتاريخ وسير العظماء، وإتقانه العجيب لعدد من اللغات العالمية، وحبه الكبير وتشجيعه غير المحدود لنشر العلوم وتكريم العلماء.



فقدَّم هذا الرجل العظيم صورةً مثاليةً وقدوةً عمليةً للشباب المتطلع لخدمة دينه ورسالته وأمته؛ فهل يدرك شبابنا هذا المعنى ويقتدون بهذا المثل الرائع؟



2- إن هذه التربية التي نالها محمد الفاتح لم تكن من فراغ، وإنما كانت من عمل العلماء الربانيين الذين تهيأت لهم الأسباب في الدولة العثمانية؛ لتربية الأفراد والجنود والقادة والشعب على مبادئ الإسلام وقيم الرجولة والشرف والكرامة، فلم يكن محمد الفاتح إلا واحدًا من ثمار غرسهم الرائع، ولم يكن لينجح وحده في تحقيق الفتح الكبير لولا أن هؤلاء العلماء الربانيين هيئوا الشعب والجيش من خلال تربيته على معاني الإيمان والتقوى، وتحمل الأمانة وأداء الرسالة المنوطة به، ولقد تربَّى الشعب والجيش على العقيدة الصحيحة والمبادئ الفاضلة التي ولدت فيهم الحماسة القوية وملأت نفوسهم بالعزيمة الصادقة.



وهذا ما يجب على الأمة أن تعيه فتطلق يد الدعاة الناصحين لتربية الأمة وتبصير الشباب برسالتهم وحفزهم إلى معالي الأمور، واستنقاذهم من مسارب الرذيلة ومهاوي الانحراف وتفاهة الاهتمامات، وعلى الدعاة أن يؤدوا رسالتهم في ذلك على أكمل وجه، ولهم قدوة في الشيخين محمد بن حمزة المشهور بـ(آق شمس الدين)، وأحمد الكوراني، فقد كانا من أهم الشيوخ الذين كان لهم أثر على محمد الفاتح.



3- إن هذا الفتح العظيم لم يحصل مصادفة ولا لمجرد بث الحماسة في النفوس، ولا لمجرد ضعف الدولة البيزنطية؛ بل إن السلطان محمد الفاتح تابع جهود والده السلطان العادل مراد الثاني في اتخاذ كل التدابير اللازمة للفتح العظيم، فاهتم بإقامة القلاع والحصون، وجمع الأسلحة اللازمة، وأشرف بنفسه على إنشاء أضخم مدفع في عصره، وبذل عناية فائقة بتزويد الأسطول العثماني بأكبر عدد من السفن المجهزة، ووضع سياسة خارجية في غاية الذكاء أدَّت إلى تحييد كثير من القوى المعادية من خلال المعاهدات؛ ليتفرغ لهدفه الأساسي ويُتِم إنجازه، ووضع بنفسه مع قواده الخطط الدقيقة المحكمة، والبدائل المحتملة، مع إرادة صلبة لا يتطرق إليها ضعف ولا وهن.



وكان يدرك أهمية تمتين الجبهة الداخلية، فبسط العدل، وشارك الشعب والجنود، واشترك بنفسه في العمليات العسكرية، ولم يتميز على شعبه وجنوده، فتعلقت قلوبهم به، وازدادوا همةً ونشاطًا وعزمًا تحت قيادته.



4- لما فتح محمد الفاتح القسطنطينية قدَّم صورةً عمليةً لحسن التعامل مع الآخرين، وهو في أوج عزته وسطوته وانتصاره، فقد أمر بحسن معاملة الأسرى، وافتدى كثيرًا منهم من ماله الخاص، وبخاصة الأمراء ورجال الدين النصارى.



كما أقر بطريرك الكنيسة (الأرثوذكسي) الذي اختاره النصارى بكامل حريتهم على امتيازه وامتياز طائفته، وأعطى كافة ملل النصارى حقوقهم المدنية وحرياتهم الكاملة، ومنحهم الرعاية الشاملة، وتسجيل ذلك في قوانين السلطنة، وجعله عهدًا مُتبعًا في الدولة لا ينقض، تُعطى للبطارقة به الوثائق "الفرامين" السلطانية، خلافًا لما كان يعاملهم به الكاثوليك من القسوة والاضطهاد، بل إن اليهود الذين تعرضوا للاضطهاد في أوروبا لجئوا إلى الدولة العثمانية الذين آوتهم ووفرت لهم الحماية، فعاشوا في ظلها أحرارًا يمارسون عقائدهم بلا خوف ولا اضطهاد.



وقد فعل السلطان محمد الفاتح ذلك من منطلق التزامه الصادق بالإسلام العظيم، وتأسيه بالنبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، الذين يعلمون أن حقوق غير المسلمين واجبٌ شرعيٌّ سيحاسبهم الله عزَّ وجلَّ عليه.



فهيا أيها المسلمون في كل مكان.. تحركوا بكل ما تملكون من وسائل وإمكانيات، وقدَّموا الصورة الحقيقية المشرقة للإسلام البريء كل البراءة من التهم الباطلة بالإرهاب والتطرف وانتقاص الحقوق.



ويا شباب الأمة.. اجعلوا نموذج محمد الفاتح وجيله قدوتكم، وابذلوا ما تستطيعون لإسلامكم، وانشروا دعوة الخير في العالمين، وأنتم يا شبابنا في بلاد الغرب والشرق كونوا سفراء الإسلام في هذه البلاد، وقدموا صورةً عمليةً لأخلاق الإسلام وحضارته ومبادئه التي فيها إنقاذ مستقبل البشرية من الضياع.



وأنتم يا حكام الأمة وقادتها.. اعلموا أن الكون لا يتحكم فيه الأمريكان، ولا يدير دفته الأوروبيون، بل إن الذي يدبر أمر الكون هو ملك الملوك سبحانه وتعالى، وثقوا بأن الشعوب إذا تربت على أخلاق الإسلام العظيمة ومبادئه القويمة فهي قادرة بإذن الله على كسب معاركها في كل الميادين، وكونوا على يقين أن أقصر الطرق لقلوب الشعوب هو العدل والحرية والكرامة وتحقيق الشورى وتطبيق شريعة الإسلام العظيمة في كل مناحي الحياة ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)﴾ (غافر)... والله أكبر ولله الحمد.. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

--------

* المرشد العام للإخوان المسلمين.

الاثنين، 7 يونيو، 2010

د/ محمد البلتاجي يكتب : تفاصيل أسر جنديين إسرائيليين على متن أسطول الحرية


د/ محمد البلتاجي :

«تري ماذا ستسفر عنه الساعات المقبلة؟!...

بهذه الجملة، أنهيت مقالي السابق والذي كنت قد سطرته في اليوم السابق للجريمة الصهيونية علي أسطول الحرية، ولم أكن أتوقع وقتها - ولا أي من المشاركين معنا- أن يرتكب الكيان الصهيوني جريمة بهذا القدر من الحماقة.

انطلقت بنا السفن بعد أن تجمعت قبالة الشواطئ القبرصية، وصار المشاركون يستمعون الأخبار عبر وسائل الإعلام التي تؤكد إصرار الكيان الصهيوني علي منع السفن من الوصول لشاطئ غزة ونصب الخيام في أشدود لاعتقال كل من علي ظهرها، ومع هذا استمرت السفن في السير في المياه الدولية.

مساء الأحد 30 من مايو صلينا المغرب والعشاء حيث أمَّنا في الصلاة الشيخ رياض البسنجي (من الأردن) وخطبنا بعد الصلاة الشيخ رائد صلاح فحدثنا بحديث رسول الله - صلي الله عليه وسلم - الذي ضحك فيه لقوم من أمته يركبون البحر- في سبيل الله- كأنهم علي الأسرة، ودعاء أم حرام بنت ملحان أن تكون منهم، وحديث آخر عن فضل الجهاد والرباط في عسقلان- التي اعتبرت غزة جزءاً منها - وقام أحد علماء الأتراك فحدثنا عن صناعة التاريخ وكيف سيصير أهل السفينة مثلاً وعنوانًا للحظة تاريخية علي مثال أهل الكهف وأهل بدر، وحدثنا المطران كابوتشي- مطران القدس المنفي عنها منذ أكثر من ثلاثين عامًا - كيف أنه جاء هذه المرة ليكحل عينيه قبل موته بتراب فلسطين... ينتهي اللقاء وتأتينا الأخبار عن اقتراب زوارق وسفن إسرائيلية عن بعد ويستكمل المشاركون برنامجهم بشكل طبيعي، فريق يرصد ويتابع ما يحدث وفريق يستكمل حوارات فضائية يتحدث فيها عن رسالة الأسطول والسيناريوهات المتوقعة وفريق غلبه النوم فنام في سكينة- رغم كل ما حوله - وفريق قام لصلاة التهجد والدعاء، حضرت مع الشيخ حماد أبودعابس (أحد قيادات الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني)؛ ركعتين خفيفتين ثم صلي بنا الفجر وفي أثناء الصلاة استمعنا لأصوات الهليكوبتر تحلق فوق رؤوسنا، انتهينا من الصلاة وإذا بنا نري ونسمع قذائف وانفجارات مدوية تصطدم بالسفينة وتلقي علي سطحها... بدأ الإنزال الجوي من الهليكوبتر ونزلت مجموعة محدودة من جنود الكوماندوز كأنهم يختبرون الوضع وكانوا مدججين بالسلاح، الواحد منهم بما عليه من أسلحة وعبوات انفجارية ودروع وقاية، حيث لا تري منه إلا عينيه يتمثل بشخصه التحصينات والجدر التي ذكرها الله تعالي في قوله ( لا يقاتلونكم جميعًا إلا في قري محصنة أو من وراء جدر) وقد كانوا يتصورون وهم علي هذه الحالة المفزعة -شاهرين السلاح في وجوههنا - أن الناس ستهرول مذعورة أو تقف أمامهم ترفع أيديها فوق رؤوسها مستسلمة، فلما لم يجدوا شيئًا من ذلك وأمسك الناس بثلاثة منهم بأيديهم، نزلت مجموعة ثانية من الكوماندوز كبيرة العدد وصارت تطلق النار وهي لا تزال في الجو قبل وصولها سطح السفينة (من أجل أن تثير الفزع والرعب وتدفع الناس للهرولة)، فبدأ سقوط القتلي والجرحي.

نزلت وأخي د. حازم فاروق لنشارك في إسعاف الجرحي والمصابين، لم تكن هناك استعدادات طبية علي مستوي مواجهة معركة حربية بهذا القدر من الدماء والكسور والجراحات والاختناقات.. حاولنا بذل وسعنا في استنقاذ الجرحي وبدأت الأرواح تصعد لربها بين أيدينا، نادينا من خلال الميكروفون المركزي للسفينة باللغات الثلاث (العربية والإنجليزية والعبرية) علي المهاجمين وأكدنا لهم أنهم يواجهون عزل مجردين من أي سلاح فلا مبرر لإطلاق النار، أكدنا لهم أن لدينا العشرات من الجرحي كثيرًا منهم إصاباته خطيرة تحتاج لسرعة إسعافها وأنهم يجب أن يقوموا بذلك، جاءنا إخواننا باثنين من الجنود الصهاينة الثلاثة الذين كانوا أمسكوا بهم وجردوهم من السلاح وكان في مقدورهم أن يقتلوهم لو أرادوا - فقد كانوا كالفئران المذعورة بعد أن تجردوا من السلاح - لكن أحداً لم يفعل ذلك، لأن ديننا يأمرنا بألا نقتل أسيرًا ولا نجهز علي جريح!!!.

سيطر الجنود الصهاينة علي سطح السفينة وطاقم السفينة وبدأوا في الالتفاف الخارجي حول الأدوار الثلاثة التي كان المشاركون قد دخلوا إليها، أدخلوا إلينا الكلاب البوليسية، وبقوا هم من وراء الزجاج يشيرون إلينا بالسلاح ويأمرون الجميع بالبقاء في المقاعد وعدم الحركة وبقينا علي هذه الحالة حوالي ثلاث ساعات، كنت علي مقربة من جثث الشهداء، حيث جلست إحدي الأخوات التركيات إلي جانب جثة زوجها الشهيد تبكيه في صمت أشم من الجبال، جاءها أحد الإخوة يقول لها «اصبري واحتسبي» فترد عليه: (أنا والله لا أبكيه حزنًا فقد فاز بالجنة وقد أهديته لغزة التي كان يتوق لوصولها).... طلب الصهاينة من الجميع أن يرفعوا أيديهم فوق رؤوسهم ويخرج واحد واحد إلي سطح السفينة وأثناء الصعود يتم تفتيشه ثم تقييده من الأمام أو الخلف، قيدوا الجميع بمن في ذلك النساء والأطفال والجرحي، بدأوا بعد ذلك في إخلاء الجرحي، «بعد عدة ساعات بعد أن اطمأنوا أنهم أحكموا السيطرة علي الجميع».

جلسنا فوق سطح السفينة مقيدي الأيدي ساعات طويلة تحت الشمس، وهم يقفون بالسلاح بيننا، لكن كان الجميع وهم في القيد يتبادلون نظرات كلها عزة وإباء وإصرار وتحدٍ للظلم والظالمين، بل كنت أنظر للأخوات المشاركات معنا (جزائريات وكويتيات وبينهن سارة الإنجليزية ونيكيا النيوزيلندية) فأري في تعبيرات وجوههن كل دلالات الشموخ والصمود. في هذا الجو ووسط هذا السكون تلا علينا أحد الإخوة بصوت خفيض آيات يحفظها من سورة آل عمران ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مسَّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين) فنزلت علينا الآيات بردًا وسلامًا، أخيرًا انطلقت بنا السفينة لتشق الطريق من المياه الدولية التي وقعت فيها الجريمة، واستمرت في السير من التاسعة والنصف صباحًا حتي السابعة مساء لنصل إلي ميناء أشدود، في الطريق وعلي بعد أمتار من مقعدي رأيت الشيخ رائد صلاح يجلس في قيده فبادلته النظر وحمدت الله علي سلامته، حيث تبين فيما بعد أن الصهاينة استهدفوا قتله في الهجمات الأولي وأصابوا أخًا تركيًا يشبهه (ظنًا منهم أنه هو) فاختاره الله مع إخوانه الأتراك الذين أراد الله بهم الكرامة فاصطفاهم من بيننا، حيث أتوا من وراء البحر ليكونوا هم شهداء غزة وليصطفوا في الجنان إلي جوار أحمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي وسعيد صيام ونزار ريان وإيمان حجو ومحمد الدرة.

قبيل الوصول لميناء أشدود وقف ضباط صهاينة يعلنون باللغات المختلفة( ستصلون بعد قليل ميناء أشدود، وسيتم تسليم السفينة من الجيش لوزارة الداخلية!!، وستواجهون جميعًا تهمة الدخول غير الشرعي لأرض إسرائيلية، وسيكون أمامكم الاختيار بين الترحيل الفوري لبلادكم بعد التوقيع علي قرار الإدانة والإبعاد والتعهد بعدم العودة مرة ثانية أو الاعتقال في معسكرات أُعدت لكم في بئر سبع).

حين وصلنا ميناء أشدود وقبل نزول أي أحد، دخل ضابط عسكري صهيوني ونادي علي اسم محمد البلتاجي وحازم فاروق واستلمنا وخرج بنا مرورًا بتفتيشات لا أول لها ولا آخر ولينهي إجراءات خروجنا من الميناء العسكري بشكل مختلف عن كل من معنا، وقد أدركت مباشرة ما وراء الأمر من قرار للقيادة السياسية المصرية بضرورة عودتنا إلي مصر في أقرب لحظة من أجل تخفيف حالة الاحتقان والغضب التي علت في الشارع المصري بعد هذه المجزرة، خاصة أن فيها مصريين فكانت هناك رغبة في طمأنة الشارع المصري من جانب وفي الفصل بين المجزرة الإسرائيلية واعتقال مصريين من جانب آخر، وقد تفهم الصهاينة ذلك وتعاونوا معه.

سألني الضابط الإسرائيلي - وهو يعلم- إلي أي حزب سياسي تنتمي أنت؟ فقلت له: أنا من الإخوان المسلمين. فقال لي: أنتم تكرهون الإسرائيليين؟!، فقلت له: نعم نكرهكم ليس بسبب اختلاف الدين، ولكن لأنكم معتدون ظالمون غاصبون حقوقنا فسكت وأسرع بإنهاء الإجراءات التي كان من بينها تحقيق سألتني فيه المحققة الإسرائيلية: لماذا جئت إلي ميناء أشدود الخاضع لدولة إسرائيل دون إذن من السلطات؟! فأجبتها بأنني لم آت لأشدود ولكنكم اختطفتمونا من المياه الدولية بعد أن قمتم بعملية قرصنة وقتل يجب أن تحاسبوا عليها.

عند بوابة الميناء العسكري كان القنصل المصري في انتظارنا، ظننا أنه جاء لمصافحتنا والاطمئنان علينا وسنستأذنه في العودة للميناء للاطمئنان علي زملائنا واستلام أمتعتنا واستكمال مناقشتنا مع المتضامنين الذين كانوا يتحاورون قبيل نزولهم من السفينة هل نقبل بالترحيل لبلادنا ( دون توقيع علي تعهدات بعدم العودة لغزة ) أم نقبل بالاعتقال، ثم العودة لأسطنبول لتشييع الشهداء والاطمئنان علي الرفاق والترتيب للخطوة التالية؟!. فوجئنا بسيارة القنصل تتحرك بنا بسرعة مذهلة: (دون أن يناقشنا في شيء ودون أن يسمح لنا بأخذ أمتعتنا ودون أن يسمح لنا بتغيير ملابسنا التي كانت أقرب للملابس الداخلية وكانت مخضبة بالدماء ودون التوقف لحظة لدخول دورة المياه أو السماح بالصلاة،.. سجلنا اعتراضنا علي نقلنا بهذه الطريقة التي هي أقرب للترحيل القسري أو لتسليم المجرمين منه لتأمين وصول برلمانيين مصريين شرفوا مصر في مهمة إنسانية شريفة... أبلغت د. سرور بذلك من تليفون القنصل، وكنت أقدر أن القيادة السياسية يهمها بالدرجة الأولي أن تطمئن الرأي العام المصري (الذي كان في حالة غليان عبرت عنها تظاهرات يوم الاثنين أمام الخارجية ظهرًا وبميدان رمسيس وبالعديد من المحافظات مساء)، لكن الطريقة التي تم بها ذلك لم تكن الطريقة المناسبة... قطعت السيارة الطريق من أشدود إلي طابا بسرعة جنونية لنصل في أربع ساعات تقريبًا إلي طابا ونطلب من القنصلية في إيلات سيارة لتوصيلنا للقاهرة. وصلنا قبل الفجر بأقل من ساعة حيث تمكنا من صلاة المغرب والعشاء ثم انطلقنا وقت الفجر إلي السويس حيث كان السادة النواب الكرام ( عباس عبدالعزيز وعادل حامد ) في انتظارنا لننطلق للقاهرة.

سألني إعلاميون كثيرون: هل كان أحد من المسئولين في انتظاركم، وهل اتصل بكم أحد من المسئولين بعد وصولكم؟! قلت: رغم أن أحدًا من هؤلاء لم يفعل ذلك فإنني أؤكد أن شعب مصر كله قد اتصل بنا ليؤكد فخره بما قمنا به، يقولون لنا: (لقد رفعتم رأسنا وشرفتمونا بمشاركتكم هذه ووددنا لو كنا معكم)، بل اتصل بنا مصريون من عديد من الأقطار خارج مصر ليقولوا لنا: (أخيرًا أصبحنا نستطيع أن نفخر بين زملائنا في العمل بأننا مصريون بسبب ما قمتم به، بعد أن عشنا أحداثًا كثيرة نخجل بسببها أننا مصريون).

علي كل حال ليس المهم هو الدور الرسمي في عودتنا - بما له وما عليه- لكن المهم هو الرد المصري الرسمي علي المجزرة التي ارتكبها الكيان الصهيوني ضد أسطول الحرية لغزة، وكذا الموقف المصري الرسمي من الحصار الذي سعي أسطول الحرية لفكه، وبالمناسبة فقد جاء الإعلان عن فتح معبر رفح لأجل غير مسمي كنتيجة لجهد الأحرار في أسطول الحرية لكننا نرجو أن يكون فتح المعبر آلية من آليات فك الحصار فيسمح بدخول مواد البناء والإعمار ويسمح بمرور الطلاب والحجاج ويسمح بمرور السياسيين والإعلاميين المحصورين في غزة لعرض قضاياهم أمام العالم، بل يسمح بمرور التجار والبضائع بما يجعل الإغلاق الصهيوني لبقية المعابر لا قيمة له، أما مجرد دخول الأدوية وبعض المساعدات الغذائية المحدودة فلا يحقق سوي تخفيف الاحتقان وامتصاص حالة الغضب الشعبي ضد الكيان الصهيوني وضد الحصار الظالم والمشاركين فيه، إن مقصود الصهاينة ومن وراءهم من الحصار هو الضغط علي تيار المقاومة وحكومة حماس التي انتخبها الشعب الفلسطيني علي برنامج المقاومة، المقصود إسرائيليًا بالحصار وبالحرب علي غزة هو القضاء علي كل أمل في المقاومة مستقبلاً، وهذا هو السبب الرئيسي لحالة الفزع والجنون الصهيوني من أسطول الحرية الذي جاء ليعلن باسم أحرار العالم (من كل الأجناس والأديان واللغات والألوان) التضامن مع تيار المقاومة المشروعة ليس فقط ضد الحصار بل ضد العدوان والتشريد والأسر والاستيطان والتهويد، بل ضد الاحتلال ذاته.

أعتقد أن يوم 31 من مايو 2010 سيصير يومًا فاصلاً في حياة أمتنا، وسيبقي أحرار العالم الذين شاركوا في أسطول الحرية عنوانًا علي أن الشعوب «وربما الأفراد» تستطيع أن تحقق الكثير والكثير «انتصارًا لقيم الحق والعدل والحرية» وإن عجزت الأنظمة أو استسلمت أو كانت جزءًا من المؤامرة علي تلك القيم.

أخيرًا يبدو أن تركيا التي أراد هرتزل أن يجعل منها منطلقًا لبداية المشروع الصهيوني ستكون إن شاء الله طرفًا رئيسيًا وسببًا في نهاية ذلك المشروع وفي تطهير وجه الإنسانية من جرائمه.


ــــــــــــــــــــــــــ

الأمين العام المساعد لكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين